ابن عربي
172
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 108 إلى 109 ] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 ) « حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » للواسطة فإن الحسد في الجنس ، فإن اللّه تعالى لم يزل ربا ، ولم نزل عبيدا في حال عدمنا ووجودنا ، فكل ما أمر سمعنا وأطعنا ، في حال عدمنا ووجودنا ، إذا لم يخاطبنا بفهوانية الأمثال والأشكال ، فإذا خاطبنا بفهوانية الأمثال والأشكال وألسنة الإرسال ، فمن كان مشهوده ما وراء الحجاب وهو المثل والرسول سمع فأطاع من حينه ، ومن كان مشهوده المثل سمع ضرورة ولم يطع للحسد الذي خلق عليه من تقدم أمثاله عليه ، فظهر المطيع والعاصي ، أي عصيّ على مثله لكونه ما نفذ فيه أمره بالطاعة ، ما عصيّ على اللّه ، فإنه لا يتمكن أن يخالف أمره على الكشف ، فانحجب بالإرسال انحجابه بالأسباب .
--> فهي في ملكه وتحت قدرته ، وهو الذي عجزكم عن الإتيان بأمثالها ، « وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ » ممن يتولاكم بالمعونة على الإتيان بمثلها ، كما توليت أنا أنبيائي ورسلي بها « وَلا نَصِيرٍ » * ولا من ينصركم بحجة على دفع ما جاءت به رسلي من الآيات كما نصرت أنا رسلي بها حجة عليكم ، قال تعالى : ( وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ) وقال تعالى : ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) ومما يؤيد ما ذهبنا إليه قوله أيضا متصلا بهذا ( 109 ) « أَمْ تُرِيدُونَ » يعني اليهود « أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ » يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وأضافه إليهم لأنه ممن بعث إليهم وإلى جميع الخلق « كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ » كما سأل أسلافكم موسى من قبل ، فقالوا ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) وغير ذلك مما قد ذكرناه فيما تقدم مما سألوه ، فهذا يدلك أنه أراد نسخ الآيات المعجزات لا آيات الأحكام ، إذ ليس للحكم هنا مدخل ولا يدل عليه وصف ، فصح ما ذكرناه ، ثم قال : « وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ